فصل: مسألة شهد رجلان على كتاب رجل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة طلق امرأته وأشهد رجلين فأمسكا عن ذلك زمانا ثم أرادا أن يشهدا:

وعن الرجل يطلق امرأته ويشهد على ذلك رجلين فأمسك الشاهدان عن ذلك زمانا وكانا مسخوطين أو غير ذلك، ثم أرادا: أن يشهدا فقالا: إن أعلمنا الحاكم أنه طلق منذ كذا وكذا لم تقبل شهادتنا، ولكننا نثبت الشهادة عليه الساعة؛ لأنا نشك أنه طلق ألبتة، قال: لا أرى أن يشهدا إلا على ما شهدا يسوقان ذلك على وجهه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم خلاف ما في سماع سحنون ونوازله، والذي يأتي على ما في سماع سحنون ونوازله، وهو أصح القولين إن أثبتوا الشهادة عليه بالطلاق ولا يجبروا فيها بما يسقطها ويؤدي إلى إبطالها فيستباح بذلك وطء الحرام ووجه القول الآخر: أنه لا ينبغي للشاهد أن يقر الحكم بإعمال شهادة من لا تجوز شهادته، وهو ضعيف، وبالله التوفيق.

.مسألة يشهد عليه فيقول المشهود عليه للقاضي سله عن الوضوء:

وعن الرجل يشهد على الرجل فيقول المشهود عليه للحكم سله لي عن الوضوء والتيمم فهل يسأله؟ قال: لا، وإنما هذا من كلام أهل الأهواء.
قال محمد بن رشد: يريد سله عن الوضوء والتيمم والصلاة هل ذلك واجب أم لا؟ فهل ترى أن يسأل الشاهد عن ذلك إذ لا يقول: إن ذلك غير واجب إلا أهل الأهواء، يريد المرجئة منهم، ولا يتهم من ظهر منه الخير والصلاح باعتقاد البدعة إلا أن يظهر منه ما يوجب اتهامه بذلك أو يذكر عنه أنه من أهل الأهواء في دينه مثل الإباضية والمرجئة فلا تقبل شهادته إذا توطأ الكلام عليه بذلك، وإن لم يتحقق ذلك بشهادة العدول إلا أن تأتي منه توبة ونزوع ظاهر بيِّن، حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة وحكاه عن مطرف وابن القاسم وأصبغ، وبالله التوفيق.

.مسألة يستفتي العالم فيذكر له من أمره ما يوجب عليه طلاقا:

وعن الرجل يأتي مستفتيا في أمر ينوّى فيه ولو أقر بذلك عند الحاكم أو قامت عليه بينة فرق بينه وبين امرأته فيفتى أن لا شيء عليه، ومن كتاب كراء الدور والمزارع من سماع يحيى بن يحيى عن ابن القاسم قال يحيى: وسألته: عن المفتي يأتيه الرجل مستفتيا فيخبره أنه ابتلي بيمين يسأله عنها فيرى عليه حنثا أو يسأله عن أمر ارتكب أو عامل فيه أحدا يجب عليه فيما ساق من قضيته التي زعم أنه صاحبها حق لبعض الناس ثم يناكر صاحبه فيستشهد صاحبه بالمفتي أيلزمه أن يشهد عليه أم لا؟ فقال: نعم، ذلك واجب عليه، قال يحيى: وقلت له: وعلى من حضره حين سأل؟ قال: نعم إذا سمعوا القصة كلها حتى لا يخفى عليهم منها ما إن تركوه خافوا أن يكون في ذلك ما يفسد الشهادة، فربما سمع الرجل آخر كلام الرجل وفيه مقطع حق، ولو سمع الأول كان الأول يسقط الآخر فلا أرى لأحد أن يشهد عليه حتى يسمع الكلام كله أو يستشهد على شيء بعينه فيقوم به.
قال القاضي: أما الذي استفتى العالم في أمر ينوى فيه إذا أتى مستفتيا ولا ينوى إذا حضرته البينة فلا اختلاف في أنه لا يجوز له ولا لمن حضر استفتاءه إياه أن يشهد عليه أنه حلف بكذا، فإن شهدا عليه أو أحدهما باء بالإثم وكانا قد شهدا بزور إذا لم يؤديا الشهادة على وجهها بأن يقول العالم: استفتاني فلان في كذا وكذا ويقول الذي حضر سمعت فلانا يستفتي فلانا في كذا وكذا فلا يقطع شهادتهما عليه على هذا الوجه ما يجب من تنويته في يمينه، وأما الذي يستفتي العالم فيذكر له من أمره ما يوجب عليه طلاقا أو عتاقا أو حدا أو حقا لأحد من الناس فقال في رواية يحيى: إن العالم يلزمه أن يشهد عليه بما أقر به عنده إذا دعي إلى الشهادة عليه، وكذلك من حضره إذا سمع القصة كلها واستوعبها ولم يفته منها ما يخشى أن يكون فيه إبطالا للشهادة فليس رواية يحيى بخلاف لرواية عيسى؛ لأنهما مسألتان: مسألة رواية عيسى لا يجوز له أن يشهد فيها باتفاق، ومسألة رواية يحيى يلزمه أن يشهد فيها، وكل من سمع القصة واستوعبها، وذلك على مذهب ابن القاسم في المدونة، وأحد قولي مالك فيها؛ لأن مالكا لا يجيز في قوله الآخر للشاهد أن يشهد على الرجل بما سمع منه، وإن استوعب كلامه حتى يشهده على نفسه، وهي رواية ابن الماجشون عن مالك وقوله وقول ابن أبي حازم وقع في الثمانية، قال عبد المالك:
كان رجل من قريش صديقا لي، وكانت بينه وبين وكيله محاسبة، وأجلسني مع رجل من أصحابنا لها ثم قال للوكيل: تكلم، فقال: قبضت منك كذا وكذا، ودفعت أيضا كذا وكذا، فقال القرشي: ما دفعت إلي شيئا، ثم قام وقال لي ولصاحبي: اشهدا لي بما سمعتما منه، فإنه كان جحدني حقي، فقلت له: لا والله ما لك عندنا شهادة ولا جلسنا لها ولا نشهدها، قال: فاذهب بنا إلى مالك، فإن أمرك أن تشهد فاشهد وإلا فدع، فقلت: لو أمرني أن أشهد ما شهدت؛ لأني لم أقعد للشهادة، فقمت معه إلى مالك، فلقيني عبد العزيز بن أبي حازم فقال له: يا أبا تمام، إن عبد الملك يكره أن يشهد لي وقص عليه القصة، فقال: ليس لك عنده شهادة، ثم دخلنا على مالك فقص عليه القصة فقلت: أمتع الله بك يا أبا عبد الله، الأمر على ما ذكر، فقال لي: يا عبد الملك، لا تشهد له، قال أصبغ: قال ابن القاسم: قال مالك: لا يعجلا بالشهادة حتى يريا صاحبه فيعلماه أنه إن لم يفعل شهدا عليه، فإن أضرم ولم ينصف شهدا عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة قالا سمعنا فلانا يذكر أنه شاهد لفلان في كذا وكذا وقد مات:

قال عيسى: قال ابن القاسم في رجلين قالا: سمعنا فلانا يذكر أنه شاهد لفلان في كذا وكذا، وقد مات، أيشهدان على ذلك؟ قال: ما أحب أن يشهدا. قيل: فإن شهدا أتقبل شهادتهما؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة، وهو أمر متفق عليه، لا اختلاف في أنه لا يجوز لأحد أن يشهد على شهادة أحد بما سمع منه دون أن يشهده، وإنما اختلف إذا سمعه يشهد غيره على شهادته،

.مسألة فقيل: إنه يجوز له أن يشهد على شهادته إذا سمعه يشهد على شهادته بها، وقيل: إنه لا يجوز أن يشهد على شهادته: حتى يشهده هو، وقد مضى القول على هذا المعنى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة شهد رجلان على كتاب رجل:

وقال: إذا شهد رجلان على كتاب رجل جاز، وحلف مع ذلك، وإن شهدا على كتاب اثنين جاز وكانا بمنزلة الشاهدين، قال: فإن شهد رجل على كتاب ذكر حق أنه كتاب الذي عليه الحق بيده حلف صاحب الحق مع ذلك، وإن شهد على ذلك اثنان جاز وسقطت اليمين عنه، كذلك قال مالك.
قال القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفًى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يشهدعليه أنه طلق في رمضان ويشهد آخر أنه طلق في شوال:

ومن كتاب العرية:
وسئل: عن رجل شهد على رجل أنه صالح امرأته وشهد آخر أنه طلقها واحدة، قال: لا شهادة لهما؛ لأن شهادتهما قد افترقت، وليس هذا مثل الذي يشهد عليه أنه طلق في رمضان ويشهد آخر أنه طلق في شوال؛ لأن شهادة هؤلاء على الطلاق نفسه وشهادة هذين في أمرين مختلفين مثل أن يقول أحدهما: إنه حلف بالطلاق إن دخل دار فلان، وشهد آخر أنه حلف بالطلاق ألا يكلم رجلا فكلمه، فشهادتهما باطلة؛ لأنهما شهدا على أمرين مختلفين، قال:
ويحلف مع شهادة كل واحد منهما على تكذيبه.
قال أصبغ عن ابن القاسم: وكذلك لو شهد شاهد أنه طلقها ألبتة وشهد آخر أنه صالحها، قال ابن القاسم: لا تجوز شهادتهما في ذلك كله ولا شيء منه؛ لأنه قد اختلف، وقال أصبغ مثله.
قال الإمام القاضي: هذه المسائل وما كان في معناها من الشهادة على الأقوال تنقسم على أربعة أقسام: قسم تلفق فيه الشهادة باتفاق، وهو أن يختلف اللفظ ويتفق المعنى، وقسم لا تلفق فيه الشهادة باتفاق، وهو أن يختلف اللفظ والمعنى وما يوجبه الحكم، وقسم المشهور فيه أن الشهادة تلفق، وقيل: إنها لا تلفق، وهو أن يتفق اللفظ والمعنى، وتختلف الأيام والمجالس، وقسم المشهور فيه أن الشهادة لا تلفق، وقيل: إنها تلفق، وهو أن يختلف اللفظ والمعنى ويتفق ما يوجبه الحكم، فقوله في الرجلين يشهد أحدهما على رجل أنه صالح امرأته ويشهد الآخر أنه طلقها واحدة أنه لا شهادة لهما صحيح لا اختلاف فيه؛ لأنه من القسم الذي يختلف فيه اللفظ والمعنى وما يوجبه الحكم، والحكم في ذلك أن يحلف على تكذيب كل واحد منهما، فإن نكل عن اليمين حبس حتى يحلف، وقيل: تطلق عليه طلقة بائنة، وذلك على اختلاف قول مالك في المدونة، وقوله: وليس هذا مثل الذي يشهد عليه أنه طلق في رمضان، ويشهد هذا أنه طلق في شوال يريد أنه ليس مثله على المشهور من أن الشهادة تلفق في ذلك، إذ قد قيل: إنها لا تلفق على ما ذكرناه، وهو قول ربيعة في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، ويقوم ذلك من قول ابن القاسم في رسم حمل صبيا من سماع عيسى بعد هذا أنه إذا شهد عليه شاهدان أنه طلق في يوم كذا وشاهدان أنه طلق في كذا لزمته ثلاث تطليقات ولم ينو، وقوله: وشهادة هذين في أمرين مختلفين مثل أن يقول أحدهما: إنه حلف بالطلاق إن دخل دار فلان وشهد آخر أنه حلف بالطلاق أن لا يكلم فلانا فكلمه إلى آخر قوله يريد أنه مثله على المشهور من أن الشهادة لا تلفق في ذلك، إذ قد قيل: إنها تلفق على ما ذكرناه؛ لأنه من القسم الذي يختلف فيه اللفظ والمعنى ويتفق ما يوجبه الحكم، فعلى القول المشهور إنها لا تلفق يحلف المشهود عليه مع شهادة كل واحد منهما على تكذيبه حسبما قاله فيكون عليه يمينان وقوله من رواية أصبغ عن ابن القاسم: وكذلك لو شهد شاهد أنه طلقها البتة وشهد آخر أنه صالحها لم تجز شهادتهما يريد أيضا على المشهور من أن الشهادة لا تلفق في ذلك، إذ قد قيل: إنها تلفق على ما ذكرناه؛ لأنها من القسم الذي يختلف فيه اللفظ والمعنى ويتفق ما يوجبه الحكم؛ لأن شهادتهما متفقة على وجوب التفرقة بينهما فيفرق بينهما بشهادتهما على هذا القول، ويحلف على رواية أصبغ أنه صالحها وأنه ما طلقها، فإن نكل طلقت عليه بالبتات، وقيل: يحبس حتى يحلف، فإن طال سجنه خلي سبيله ولم يكن عليه شيء، اختلف في ذلك قول مالك، ومثله مسألة سماع سحنون ومحمد بن خالد في الصبي يموت أبوه فيقوم له شاهد عدل أن أباه تصدق عليه بعبد وقبضه له، وشهد له شاهد آخر أنه نحله إياه؛ لأن شهادتهما متفقة على وجوب العبد له مختلفة في اللفظ والمعنى، فيقضى له به دون يمين على القول بأن الشهادة تلفق، وهو قول ابن الماجشون على قياس قوله في سماع محمد ابن خالد في الشاهدين يشهدان لرجل بمائة دينار فيقول أحدهما: هي من بيع، ويقول الآخر: هي من سلف أن الشهادة تامة؛ لأنهما قد اجتمعا على إخراجها من يد المشهود عليه، ولا يقضى له به حتى يبلغ فيحلف مع أي الشاهدين شاء على القول بأن الشهادة لا تلفق، وهو قول ابن القاسم في سماع محمد بن خالد؛ لأن معنى قوله فيه يحلف مع شاهده على الصدقة إنما هو إذا ادعى أن الشاهد على الصدقة هو المحق منهما مخافة أن يكون أبوه قد أشهد في صحته على اعتصاره، فإذا حلف على الصدقة بطل إشهاد أبيه به على الاعتصار، ومثله مسألة سماع أبي زيد وفي رسم القضاء المحض من سماع أصبغ فيمن شهد عليه شاهد واحد أنه حلف على شيء أنه إن فعله فامرأته طالق وشهد آخر أنه إن فعله فإحدى امرأتيه طالق؛ لأنها شهادة اختلف فيها المعنى واللفظ واتفق ما يوجبه الحكم، فقال ابن القاسم: إنه لا شهادة لهما على قياس القول بأن الشهادة لا تلفق، وقال أصبغ على قياس القول بالتلفيق إنهما يطلقان جميعا إن أنكر كما لو أقر ولا نية له، وهو مذهب ابن الماجشون على ما وقع له في سماع محمد بن خالد، ومن هذا المعنى ما قال ابن سحنون عن أبيه إذا جرح الشاهد رجلان كل واحد بمعنى غير الآخر قال: هي جرحة لاجتماعهما على التجريح إنه رجل سوء، وقد قال أيضا: إنه لا يجرح حتى يجتمع رجلان على معنى واحد إما كذاب، وإما شارب خمر، أو آكل حرام، ونحوه، والله الموفق.

.مسألة الأب يشهد على ابنه في حقوق أو طلاق أو عتاق:

ومن كتاب يوصي بمكاتبه:
وسألته: عن الأب يشهد على ابنه أو الابن يشهد على أبيه في حقوق أو طلاق أو عتاق، قال: أما شهادة الأب على ابنه فهي تجوز في جميع ما ذكرت إلا أن تكون عداوة تعلم، وشهادة الابن على أبيه جائزة في الحقوق والعتاق، وأما في الطلاق فإنه إن شهد على أمه أو على غير أمه إذا لم تكن أمه حية فهي جائزة إلا أن تكون عداوة تعلم، وإن شهد على غير أمه وأمه حية كانت تحته أو طلقها فلا تجوز شهادته عليه في طلاق التي تحته، قال سحنون: إذا شهد على أبيه أنه طلق أمه فإن كانت أمه مدعية للفراق طالبة له فلا تجوز شهادته، فإن كانت منكرة لذلك جاحدة له جازت شهادته؛ لأنه شهد عليهما جميعا، وإذا كانت الأم طالبة لذلك لم تجز؛ لأنه شاهد لأمه.
قلت: أرأيت إن شهد رجل على امرأة من نساء أبيه أنه طلقها وهي من ضرائر أمه هل تجوز شهادته؟ فقال: لا تجوز شهادته إلا أن تكون المرأة هي الطالبة للفراق فتجوز شهادته، قال أصبغ: شهادة الابن على أبيه بطلاق أمه جائزة إلا أن يكون بينهما عداوة أو يعلم أنها طالبة للفراق فلا تجوز شهادة الابن لها، فإن كانت عداوة الابن بينه وبينهما جميعا سقطت عنهما بالعداوة كالأجنبيين، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14] قال القاضي: لا اختلاف في جواز شهادة الأب على ابنه والابن على أبيه في الحقوق والعتاق، وأما شهادته عليه في الطلاق فقوله: إنه إن شهد على أمه أو غير أمه إذا لم تكن أمه حية فهي جائزة إلا أن تكون عداوة تعلم معناه إلا أن تكون أمه مدعية للطلاق على ما قاله سحنون وأصبغ؛ لأن قولهما تفسير لقوله، وقوله: إن شهد على غير أمه وأمه حية كانت تحته أو طلقها فلا تجوز شهادته عليه في طلاق التي تحته معناه إلا أن تكون المرأة هي الطالبة للفراق على ما قاله بعد ذلك؛ لأن قوله يبين بعضه بعضا، فلا خلاف بين ابن القاسم وأصبغ وسحنون في شيء من هذا كله، ولأصبغ في الواضحة إن شهادته على أبيه بطلاق غير أمه جائزة وإن كانت أمه حية إذا لم تكن في عصمته، فتحصيل هذه المسائل أن شهادته على أبيه بطلاق أمه جائزة إلا أن تكون طالبة للطلاق، وأن شهادته عليه بطلاق غير أمه جائزة إن كانت أمه ميتة، وغير جائزة إن كانت حية في عصمته إلا أن تكون المرأة هي الطالبة للفراق، والنظر عندي ألا تجوز شهادته عليه بطلاقها وإن كانت هي الطالبة للفراق إذا كانت أمه حية في عصمته، واختلف إن كانت أمه حية في غير عصمته، فقيل: إن شهادته لا تجوز إلا أن تكون المرأة هي الطالبة للفراق وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وقول مطرف وابن الماجشون، وقيل: إنها جائزة وإن لم تكن طالبة للطلاق، وهو قول أصبغ.
وقد قال بعض أهل النظر على قياس قول ابن القاسم في هذه المسألة: ولو شهد الابن على أبيه أنه طلق زوجتيه جميعا إحداهما أمه، فإنه ينظر في ذلك، فإن كانت أمه غير طالبة للطلاق والزوجة الأخرى طالبة له طلقتا جميعا، كانت الشهادة واحدة أو مفترقة، إذ لا تهمة في ذلك، وإن كانت الأم طالبة للطلاق والأخرى غير طالبة له لم تطلق واحدة منهما، كانت الشهادة واحدة أو مفترقة؛ لأنه يتهم في أمه أن يشهد لها فيما ترغب، ويتهم في ضرة أمه أن يشهد عليها بما تكره طلبا لرضا أمه إذ هي ضرتها، وإن كانتا جميعا كارهتين للطلاق لم تجز شهادته إن كانت الشهادة واحدة؛ لأنها تسقط في زوجة أبيه للتهمة فيها بسبب أمه، وتسقط في أمه لاتهامه في بعض الشهادة، وتجوز إن كانت مفترقة في أمه، ولا تجوز في الأخرى للتهمة فيها بسبب أمه، وإن كانتا جميعا طالبتين للطلاق لم تجز شهادته إن كانت الشهادة واحدة؛ لأنها تسقط في أبيه للتهمة فيها، وتسقط في الأخرى لاتهامه في بعض الشهادة، وتجوز إن كانت الشهادة مفترقة لغير أمه فتطلق إن كان معه غيره، ويحلف أبوه إن لم يكن معه غيره، ولا تجوز لأمه؛ لأنه شاهد لها بالطلاق الذي تطلبه، وبالله التوفيق.

.مسألة المشهود على شهادته إذا أنكر الشهادة وزعم أنه لم يشهدهما عليه:

قال ابن القاسم: إذا شهد الرجلان على شهادة رجل غائب فقطع بشهادتهما الحق مع شاهد ويمين وصاحب الحق إن كان شاهد شيء يجوز فيه شاهد ويمين أو شاهدان ثم جاء الذي شهد على شهادته فأنكر أن يكون شهد بتلك الشهادة، قال: الحكم ماض، ولا غرم عليهما إن قال: شهدا علي بباطل.
قلت: فلو كان قدم قبل شهادتهما؟ فقال: هذا القول قال: فلا شهادة لهما، ويستحلف صاحب الحق مع شهادة الباقي منهما.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة وقعت في بعض الروايات في أثناء المسألة التي قبلها فكتبتها بعدها ليتصل الكلام فيها بعضه ببعض، ووقعت أيضا في سماع أبي زيد وفي رسم الأقضية من سماع يحيى، وزاد فيها في سماع يحيى من قول مالك: إن القضاء يفسخ خلاف قول ابن القاسم، فوجه قول ابن القاسم أنه جعل إنكار المشهود على شهادته للشهادة بعد الحكم كرجوع الشاهد عن الشهادة بعد الحكم في أن الحكم لا يرد لاستواء المسألتين في أن الحاكم حكم بما يجوز له من الشهادة، ولم يكن منه تفريط، فوجب ألا يرد حكمه، ووجه قول مالك في الفرق بين المسألتين هو أن المشهود على شهادته إذا أنكر الشهادة وزعم أنه لم يشهدهما عليه لا يخلو من أن يكون صادقا أو كاذبا، فإن كان صادقا بطلت الشهادة بصدقه أنهما كذبا عليه في الشهادة، وإن كان كاذبا بطلت شهادته لكذبه، إذ لا تجوز شهادة الكاذب، فلما كانت تبطل في كل وجه ولم يمكن أن يضمن الشاهدان على الشهادة لثبوتهما على شهادتهما ولا المشهود على شهادتهما إذا لم يثبت عليه أنه أشهدهما على شهادته ثم رجع عنها وجب أن يرد القضاء لئلا يتلف على المقضي عليه ماله، والشاهدان إذا رجعا عن شهادتهما مقران على أنفسهما بالعداء على المحكوم عليه فوجب أن يضمنا، ولم يصح للحاكم أن يرد الحكم برجوعهما؛ لأن الجرحة ثبتت عليهما بنفس الرجوع، فوجب ألا يصدقا فيه كما لا يصدقان فيما يشهدان به بعد ذلك، وأما إذا أنكر المشهود على شهادته الشهادة قبل أن يحكم بها وقطع على أنه لم يشهد عليها فلا اختلاف في أنه لا يحكم بها، ولو لم ينكرها ولا قطع على أنه لم يشهد عليها، وإنما قال: لا أذكرها وأنا شاك فيها لتخرج ذلك على اختلافهم في العمل بالحديث إذا رواه الراوي فتوقف فيه المروي عنه وشك فيه ولم يقطع على أنه لم يحدث به، وبالله التوفيق.

.مسألة يوصي له ببقية الثلث فتحوط الوصايا بالثلث وهوشاهد على الوصية:

وسألته: عن رجل يوصي له ببقية الثلث فتحوط الوصايا بالثلث وهو شاهد على الوصية هل تجوز شهادته ولم يبق له من الثلث شيء؟ قال ابن القاسم: إن كان الميت رجلا يداين الناس ويشك في أمره أن يكون له ديون على الناس يقينا فلا أرى شهادته تجوز، وإن كان لا يداين الناس فشهادته جائزة.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ لأنه متهم في شهادته، وإن أحاطت الوصايا بالثلث إذا كان مما يرجى أو يطرأ له مال يبقى له من ثلثه بقية، وبالله التوفيق.

.مسألة النصرانيين يختصمان إلى حكم المسلمين في مال فرضيا بشهادة نصرانيين:

وسألته: عن النصرانيين يختصمان إلى حكم المسلمين في مال فرضيا بشهادة نصرانيين، قال ابن القاسم: لا يحكم بينهما بشهادة النصري ويتراضيان فيما بينهما على ما أحبا.
قلت: وكذلك المسلمان يرضيان بشهادة المسخوطين؟ قال: لا يحكم بينهما بشهادة المسخوطين وليرضياهما بما أحبا، قلت: فإن تراضيا بشهادة مسخوطين ثم أبى أحدهما بعدما شهدا عليهما؟ قال ابن القاسم: إذا علما بشهادتهما ورضيا فإن ذلك يلزمهما، وليس لهما أن ينكصا، وهما بمنزلة ما لو رضيا بغير شهادتهما.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يحكم بينهما بشهادة النصري، ولا بشهادة المسخوطين معناه إذا رضيا أن يحكم بينهما بشهادتهم دون تعيين بأن يقولا: قد رضينا أن يحكم بيننا بشهادة شاهدين من النصارى أو ممن لا تجوز شهادته من المسخوطين المسلمين، وهذا ما لا اختلاف فيه؛ لأن رضاهما بذلك غرر، والحكم به لا يجوز؛ لأنه خلاف ما أمر الله به من استشهاد من يرضى من الشهداء، وأما لو رضيا بما يشهد به عليهما شاهدان مسخوطان سمياهما في أمر اختلفا فيه فلما شهدا عليهما أبى أحدهما، فقال ابن القاسم في هذه الرواية: إذا علما بشهادتهما ورضيا فإن ذلك يلزمهما يريد أن ذلك إنهما يلزمها إذا رضيا بما شهدا بعد الشهادة والعلم بما شهدا، وقد قيل: إنهما إذا رضيا قبل الشهادة بما يشهدان لزمهما ما يشهدان به ولم يكن لهما ولا لأحدهما أن ينكصا عن ذلك، وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة صاحب السوق أخذ سكران فسجنه وشهد عليه هو وآخر معه:

ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده:
وقال في صاحب السوق أخذ سكران فسجنه وشهد عليه هو وآخر معه، قال: لا أرى أن تجوز شهادته؛ لأنه قد صار خصما حين سجنه، ولو رفعه إلى غيره قبل أن يسجنه وشهد مع الرجل جازت شهادته.
قال محمد بن رشد: إنما جازت شهادته عليه وإن أخذه فرفعه ما لم يسجنه؛ لأن ما فعل من أخذه ورفعه لازم له من أجل أنه موكل بالمصلحة ولو لم يكن صاحب سوق موكلا بالمصلحة فأخذه سكران فرفعه إلى غيره لم تجز شهادته عليه على ما قال في المسألة التي بعدها، وبالله التوفيق.

.مسألة أربعة نفر شهدوا على رجل بالزنى فتعلقوا به فأتوا به إلى السلطان وشهدوا عليه:

وقال في أربعة نفر شهدوا على رجل بالزنى فتعلقوا به فأتوا به إلى السلطان وشهدوا عليه فقال: لا أرى أن تجوز شهادتهم، وأراهم قذفة، ورواها أصبغ في كتاب الحدود.
قال محمد بن رشد: إنما لم تجز شهادتهم عليه؛ لأن ما فعلوا من أخذه وتعلقهم به ورفعهم إياه إلى السلطان لا يلزمهم ولا يجب عليهم، بل هو مكروه لهم؛ لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله تعالى، فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، وقال لهزال: «يا هزال، لو سترته بردائك لكان خيرا لك»، فلما فعلوا ذلك كانوا طالبين له ومدعين الزنى عليه وقذفة له، فوجب عليهم الحد له إلا أن يأتوا بأربعة شهداء سواهم على معاينة الفعل كالمرود في المكحلة، ولو كانوا أصحاب شرط موكلين بتغيير المنكر ورفعه أو أحدهم فأخذوه فجاءوا به وشهدوا عليه لقبلت شهادتهم؛ لأنهم فعلوا في أخذه ورفعه ما يلزمهم على قياس قوله في المسألة التي قبلها، وفي الواضحة لمطرف وابن الماجشون وأصبغ أنه إذا شهد أربعة بالزنى على رجل جازت شهادتهم وإن كانوا هم القائمين بذلك مجتمعين جاءوا أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضه من بعض، ووجه ذلك أنه لما كان ما فعلوا من قيامهم عليه مباحا لهم، وإن كان الستر أفضل لم يكونوا خصما إذ لم يقوموا لأنفسهم، وإنما قاموا لله، فوجب أن تجوز شهادتهم، وقد مضى هذا الاختلاف مجردا على التوجيه، في أول رسم من السماع، ولو كانت الشهادة فيما يستدام فيه التحريم من حقوق الله كالطلاق والعتق لجازت شهادتهما في ذلك وإن كانا هما القائمين بذلك؛ لأن القيام به متعين عليهما، وقد قال بعض المتأخرين: لا يجوز ذلك على مذهب ابن القاسم وقوله في هذه المسألة خلافا لمطرف وابن الماجشون، ووجهه بأن كل من قام في حق يريد إتمامه فمتهم أن يزيد في شهادته ليتم ما قام فيه، وهو عندي بعيد، وبالله التوفيق.

.مسألة شهادة النساء على الولادة والاستهلال:

وسئل: عن المرأتين تشهدان على استهلال الصبي أتجوز شهادتهما؟ قال: نعم، قيل: فشهدتا أنه غلام أتجوز؟ قال: لا أراه إلا وسيكون مع شهادتهما اليمين كأنه يرى ذلك، قال أصبغ: قال لي ابن القاسم: والقياس أن لا تجوز شهادتهما؛ لأنه يصير نسبا قبل أن يصير مالا.
قلت: مات بأي شيء يرث ويورث؟ قال: بأدنى المنزلتين إلا أن يكون لا يبقى ويخاف عليه الحوالة إن احتبس إلى أن يوجد رجال يشهدون على رؤيته فتجوز شهادة النساء فيه حينئذ، قال ابن القاسم: وكذا المرأة تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة يحلف أبو الصبي أو ورثته مع شهادة النساء أن الأم ماتت قبله فيستحقون ميراثه من أمه؛ لأنه مال، قال سحنون: وإنما تجوز شهادة النساء على الولادة والاستهلال إذا كان البدن قائما ورأى الناس أن قد تم أمره وكمل جسده، وكذا شهادتهن في القتل.
قال محمد بن رشد: أجاز ابن القاسم في هذه الرواية شهادة امرأتين على استهلال الصبي وعلى أنه غلام مع اليمين، وهذا يدل من مذهبه على أن شهادتهما على الاستهلال جائزة وإن غاب البدن وفات، إذ لو كان حاضرا لاستغنى عن شهادة النساء فيه إنه غلام بنظر الرجال إليه، وكذلك القتل الخطأ لا يشترط في إجازة شهادة النساء فيه حضور البدن على مذهبه، قال في المدونة: لأنه مال، وشهادة النساء في المال جائزة خلاف قول ربيعة وسحنون في المدونة إن شهادة النساء لا تجوز على الاستهلال ولا على أهل الخطأ إلا مع حضور البدن، وعلى قولهما لا تجوز شهادتهن في أنه ذكر أو أنثى، وهي رواية مطرف عن مالك وأشهب عن مالك أيضا في كتاب ابن سحنون، وهو قول ابن هرمز، وهو القياس على ما قاله ابن القاسم هاهنا في رواية أصبغ عنه؛ لأنه في الاستهلال فيصير نسبا قبل أن يصير مالا على ما قاله وفي القتل الخطأ، وإن كان مالا، فإذا جوزت شهادة النساء فيه مع مغيب البدن آل ذلك إلى جواز شهادتهن فيما عدا المال من الموت الذي يقطع العصمة بينه وبين أزواجه فيكون لهن أن يتزوجن، وقد يكون له أمهات أولاد ومدبرون فيعتقون، وقد يوصى بعتق وبتزويج بناته فتؤول إجازة شهادتهن في مثل الخطأ إذا لم يعرف الموت بحضور البدن ميتا إلى أن تجوز في ذلك كله، وشهادتهن فيما عدا المال لا تجوز ففي ذلك من قول ابن القاسم نظر، وهو استحسان، والقياس قول سحنون وربيعة ألا تجوز شهادتهن إلا في صفة القتل إذا عرف الموت لا في القتل إذا لم يعرف الموت، وكذلك الشاهد الواحد يشهد على مثل الخطأ فلا تجوز إلا أن يعرف الموت بحضور البدن ميتا، وأما شهادة النساء في المرأة تلد ثم تهلك هي وولدها في ساعة على أيهما مات أولا فلا اختلاف في إجازتها؛ لأنها شهادة على مال لا تتعدى إلى ما سوى المال، وقول سحنون وكذلك شهادتهن في القتل يريد في القتل الخطأ على ما مضى القول فيه، وبالله التوفيق.